منتدى تاريخ وأعلام ولاية الشلف وضواحيها
أهلا و سهلا بك زائرنا الكريم في "منتدى تاريخ وأعلام ولاية الشلف وضواحيها"
إذا كنت عضوا في منتدانا نسعد بدخولك اما اذا كنت زائرا جديدا يشرفنا انضمامك الى اسرتنا الكريمة ننتظر انضمامك.

منتدى تاريخ وأعلام ولاية الشلف وضواحيها

يهتم بالعلماء والمشاهير من منطقة الشلف وضواحيها كما يهتم بالأحداث التي شهدتها عبر العصور
 
الرئيسيةمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحافظ التنسي مؤرخ المغرب الأوسط

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الحسين
المدير العام
المدير العام


ذكر
عدد الرسائل : 733
العمر : 32
المهنة :
الهواية :
السٌّمعَة : 11
نقاط : 375
تاريخ التسجيل : 23/07/2008

مُساهمةموضوع: الحافظ التنسي مؤرخ المغرب الأوسط   الثلاثاء 2 سبتمبر - 15:54:19


يتناول الأستاذ محمود بوعياد في هذه الدراسة أحد أعلام الجزائر المغمورين وهو الفقيه المؤرخ الحافظ التنسي الذي عاش خلال القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي، كاشفا عنه اللثام ومحددا معالم شخصيته وأهم أعماله العلمية.
رغم هذا فعَلَمُنا مازال محتاجا إلى أيادي الباحثين للكشف من خبايا شخصيته وجهوده.


أستاذنكم بأن أقص عليكم حكاية بمثابة استهلال على حد قول القدامى، لهذا الحديث المتواضع، الرامي إلى التعريف بمحمد التنسي التلمساني، وهو العالم، والفقيه، والمؤرخ، والأديب الذي تألق نجمه في سماء هذا الوطن في القرن 9هـ/15م، قلت أستأذنكم بأن أقص عليكم الحكاية التالية:
إن مكان وقوعها هو بيت الله الحرام، في مكة المكرمة، حيث كنت أؤدي شعائر العمرة. وقد تناولت في يوم من أيام إقامتي في مهد الإسلام، مصحفا من المصاحف الكثيرة الموضوعة رهن إشارة زوار بيت الله الحرام، من الحجاج، والمعمرين. وبعد أن تلوت ما تيسر من سور كتاب الله العزيز، دفعني الفضول، إلى إلقاء نظرة على المعلومات المتعلقة بالجهة التي قامت بإخراج نسخة المصحف الشريف التي كانت بين يدي، فاكتشفت أن طبع المصحف قد تم في "مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة". وعندما تطلعت إلى معرفة المعلومات الخاصة باستنساخ المصحف، وروايته قراءته، ورسمه، وضبطه، وهي المعلومات المدرجة عادة في نهاية المصاحف، تحت عنوان "تعريف هذا المصحف الشريف"، سرعان ما استقطبت انتباه الجملة التالية وهي: " وأخذت طريقة ضبطه، مما قرره علماء الضبط، على حسب ما ورد في كتاب الطراز على ضبط الخراز للإمام التنسي". تصوروا دهشتي.
لم يكن مجال للشك والتردد فيما كنت أقرأ، إذ كنت أعلم أن مواطني محمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي، قد ألف كتابا في ضبط القرآن، وعنوانه هو: "الطراز على ضبط الخراز"، نفس العنوان المذكور في الصفحات الأخيرة من مصحف المدينة المنورة. والكتاب وإن لم ينشر بعد، فإن المكتبة الوطنية الجزائرية تملك نسختين مخطوطتين منه، وقد كنت اطلعت عليهما من قبل.
كنت في تلك المناسبة، وأنا في مكة المكرمة، برفقة جماعة من الأساتذة الجامعيين والمكتبيين، ممن قدموا مثلي إلى المملكة العربية السعودية من الأقطار العربية كلها، للمشاركة في ندوة علمية. فسألت أكثرهم، وكان منهم أساتذة متضلعون في علوم القرآن، والعلوم الدينية على العموم، عن هذا الاختصاصي في ضبط القرآن الذي اعتمد عليه مجمع الملك فهد، لتحقيق كتابة المصحف الشريف، والقيام بطبع ملايين النسخ منه كل سنة، توزع في الأقطار الإسلامية جميعها. فلم أجد من يعرف هذا العالم، أو يعرف كتابه، وبالأحرى أصله. وعند عودتي إلى أرض الوطن، صار حزني أكبر وأشمل، إذ لم أجد أحدا أيضا يعرف من هو الإمام التنسي مؤلف كتاب "الطراز على ضبط الخراز" المذكور في آخر هذا المصحف، هو بكل تأكيد، محمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي الجزائري، وأن نسخا مخطوطة عديدة من الكتاب، موجودة بصريح العنوان المذكور، في بلاده الجزائر، وفي عدد من المكتبات في الخارج.
ولم يثبط عزيمتي فشو الجهل بصاحبي وشيوعه، سواء خارج وطنه، وفي وطنه أيضا. فتوسعت في البحث، واكتشفت أن مجمع الملك فهد في المدينة المنورة، لم يكن الفريد في اعتماده على كتاب مواطننا، بل اكتشفت أن عددا من المصاحف التي تم طبعها في بلدان إسلامية مختلفة، اعتمدت هي أيضا على كتاب الإمام التنسي، فذكرته، وذكرت كتابه. ومما زاد في حزني، أني اكتشفت أن بلده الجزائر، هي من ضمن البلدان الإسلامية النادرة التي لم يرد اسم التنسي، في خاتمة المصاحف المطبوعة فيها. بدون تعليق!
وبعد هذه المقدمة، ننتقل إلى صميم الموضوع: التحدث عن حياة الحافظ التنسي مؤرخ الدولة الزيانية والمغرب الأوسط في عهدها، وعن تراثه الفكري:
مما لاشك فيه أن محمد التنسي قد احتل منزلة مرموقة بين معاصريه، في هذا القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي الذي زخر بالعلماء، وبرز فيه عدد كبير منهم في المغرب الأوسط، وذلك رغم الفتن، ورغم تدهور الأحوال المنية في البلاد، وضعف الدولة الزيانية التي كانت تنخرها الاضطرابات الداخلية، الناجمة عن كثرة المطالبين بالعرش، وكذلك عن الحملات المتتالية للدولتين المجاورتين الحفصية في تونس، والمرينية في فاس، دون أن ننسى من بين أسباب الضعف والتدهور، ذكر التحولات السياسية والاقتصادية التي بدأت تغير وجه العالم.
وإن ما يسترعي الانتباه، فيما يتعلق بمنزلة التنسي، هو الألقاب والنعوت التي اطلقها عليه معاصروه. فسموه بالحافظ، وأصبحت الكلمة التي تدل على إتقانه لعلوم الحديث النبوي الشريف وحفظه، مقرونة باسمه. فلم يدع في كتب التراجم، إلا باسم الحافظ التنسي أو بالإمام. ومن المعروف أنه قل من لقب من العلماء بالحافظ، في العالم الإسلامي كله. وبالإضافة إلى النعوت التي كانت تسند إلى جل العلماء في العصور الفارطة، إذ كانوا ينعتون كل عالم ديني بالفقيه الجليل، والحجة، والمحقق، والحبر، الخ.. اختص التنسي بالوصف بالأديب، وبالمؤرخ. وقد سماه أحد تلاميذه "بقية الحفاظ، وقدوة الأدباء"، وما هذا إلا لاهتمامه الكبير بالأدب شعرا ونثرا، ولاهتمامه بالتاريخ. وإذا كان معاصروه والمترجمون له، قد انتبهوا لقوة حافظته، ولسعة اطلاعه، ولتبحره في علم الحديث النبوي الشريف، وفي الفقة فإننا نلاحظ أنهم حرصوا كل الحرص، على إظهار ميله إلى التاريخ والأدب، مع أن الاهتمام بالمادتين كما هو معروف، كان قليلا في ذلك العصر الذي تغلبت فيه العلوم الدينية والتصوف علىالحياة العلمية، وعلى جميع مرافق الحياة وأحوالها، فوصف أحمد الونشريسي صاحب "المعيار" التنسي "بالفقيه، الحافظ، التاريخي، والأديب الشاعر". والاسم الكامل للكتاب هو: "المعيار المعرب، والجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب".
ومما يستوقف نظرنا، أننا نجهل الكثير عن حياة هذا العالم الأديب، الذي بلغ ما بلغ من الشهرة بين معاصريه. إن من الراجح أنه ولد في مدينة تنس. وقلت من الراجح لأنه لا تتوفر لدينا وثائق تقطع بذلك. واعتمدنا لإثبات مكان ولادته على اسمه أولا، وإن كان هذا لا يكفي دائما، وثانيا على نص لأحمد المقري يدل على أن التنسي لم يولد في تلمسان، التي قضى بها شطرا كبيرا من حياته فسمي بالتلمساني. وقد قال عنه المقري: "الإمام الحافظ عبد الله التنسي نزيل تلمسان". ولاحظوا كيف سماه المقري. قال: "الإمام الحافظ".
وإذا كنا نعرف تاريخ وفاته وهي سنة 899 هجرية الموافقة لسنة 1494م، فإننا لا نعلم إلا اليسير عن مجرى حياته. إننا نجهل سنه يوم توفي، ومكان وفاته، ومورد رزقه، كما أننا نجهل حتى أين توفي وأين ضريحه. وهذا امر غريب في حق عالم بلغ شهرته، وهو لا يزال على قيد الحياة. ومما لا شك فيه، أنه اشتغل بالتعليم، لكثرة التلاميذ الذين عدوه من شيوخهم. وقد قال أحدهم:
"لازمت مجلس الفقية العالم الشهير، سيدي التنسي عشرة أعوام، وحضرت إقراءه تفسيرا، وحديثا، وفقها وعربية، وغيرها".
وفيما يتعلق بتكوينه، فإننا لا نعلم أيضا أين تعلم. ونكتفي بالإشارة إلى أن المترجمين له، ذكروا من بين شيوخه، كبار علماء عصره في المغرب الأوسط، أمثال محمد بن مرزوق الحفيدن وأحمد بن زاغو، وقاسم بن سعيد العقباني، ممن كانت لهم "مشاركة في العلوم العقلية والنقلية" على حد تعبير كتاب التراجم. هذا ونستنتج من العدد الكبير من العلماء، الذين تتلمذوا عليه، وحضروا حلقات دروسه، أنه مارس التدريس كما ذكرنا منذ حين. ونذكر من بين هؤلاء التلاميذ، المتصوف الشهير أحمد زروق، ومحمد بن صعد مؤلف "النجم الثاقب فيما لأولياء الله من المناقب"، ومؤلف "روضة النسرين في مناقب الأربعة المتأخرين".
وقد اشتغل الإمام التنسي أيضا بالإفتاء كباقي كبار العلماء. ومما يثبت اهتمامه بالافتاء، جوابه الطويل في "قضية يهود توات" التي سنعود للحديث عنها بعد حين، وقد نقل أيضا أحمد الونشريسي في "المعيار" عددا من فتاويه، زيادة على النازلة الخاصة بيهود توات. غير أن هذا لا يدل على أنه تولى منصبا رسميا للإفتاء، ويبدو أنه لم يتول منصب الخطابة أيضا، في مسجد من المساجد، على غرار عدد من العلماء والفقهاء في تلك العصور. وإننا نجهل كذلك تمام الجهل، طبيعة العلاقة التي كانت تربطه بمعاصره الملك الزياني محمد المتوكل، وبالقصر الملكي، مع أنه ذكر في مقدمة أهم كتبه، وهم "نظم الدر والعِقيان..."، أنه أقدم على تأليف هذا "التصنيف الملوكي"، "لأن نعماء هذا الملك قد توالت عليه". ولا تتوفر لدينا معلومات عن طبيعة هذه النعماء.
* * *

________________________
(*)مستشار ثقافي لرئاسة الجمهورية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://chlef.7olm.org
الحسين
المدير العام
المدير العام


ذكر
عدد الرسائل : 733
العمر : 32
المهنة :
الهواية :
السٌّمعَة : 11
نقاط : 375
تاريخ التسجيل : 23/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: الحافظ التنسي مؤرخ المغرب الأوسط   الثلاثاء 2 سبتمبر - 15:55:51

وبعد هذه اللمحة الخاطفة عن حياة الحافظ التنسي، وقد لاحظنا كل ما يغشيها من غموض، وبعد أن أشرنا إلى منزلته بين علماء عصره، بقي لنا أن نذكر آثاره.
لقد ذكر المترجمون له، تآليف من نوعين: كتبا نعلم على وجه التحقيق أنه كتبها فعلا. وكتبا ذكرها المؤرخون وكتاب التراجم، أو ذكرها هو نفسه، ولكننا لا ندري إذا كان قد قام بتأليفها فعلا، أو لم يكتبها.
ونشرع في الكلام عن هذا النوع الثاني.
نبدأ بكتاب عنوانه إسلام أبي طالبز وقد انفرد السخاوي في الضوء اللامع لأهل القرن التاسع بذكره إذ قال: "وقيل أنه صنف في إسلام أبي طالب جزءا كما هو مذهب بعض الرافضة". و"الضوء اللامع" من كتب التراجم المشهورة، وهو خاص كما يدل عليه عنوانه بتراجم للعلماء الدين عاشوا في القرن 9 هـ.
ثانيا: كتاب في معاصره السلطان الزياني محمد المتوكل. وقد أخبرنا عنه المؤرخ نفسه في ثنايا كتاب "نظم الدر". ومما قال: "لعل الله ينفس في العمر، فنصنف كتابا مفردا فيما يختص به، أعلى مقامه". ولم يأت ذكر هذا الكتاب في أي مصدر من المصادر. ويبدو أن التنسي لم ينجزه.
ثالثا: فهرسة. وهذا النوع من التآليف خاص بالحضارة العربية الإسلامية، فإن العلماء من السلف، قد اعتادوا تأليف هذا الصنف من الكتب، عندما تتقدم بهم السن، ويذكرون فيها على الخصوص شيوخهم، والعلماء الذي قابلوهم في حياتهم، والإجازات التي حصلوا عليها، والكتب التي تعلموا بها، والكتب والمصنفات التي استعملوها في الدروس التي ألقوها في حياتهم. ويعتبر هذا الصنف من المؤلفات، مصدرا مهما للبحث في الحياة الثقافية. وممن ذكر فهرسة التنسي، العالم المغربي عبد الحي الكتاني في كتابه "فهرس الفهارس"، فقال: طوله فهرسة نرويها بأسانيدنا".. الخ. ولم نتمكن من العثور على هذا التأليف، رغم البحث الطويل في المكتبات بالمغرب الأقصى، وفي مكتبة عبد الحي الكتاني على الخصوص.
رابعا: تعليق على مختصر ابن الحاجب، وهو في كتاب في الفقه من تأليف عثمان بن الحاجب الذي يعتبر من أشهر فقهاء المالكية، والعلماء المختصين في دراسة اللغة. ولم نجد أثرا لهذا الكتاب في فهارس المخطوطات في المكتبات التي تحفظ هذا النوع من الوثائق.
وفيما يتعلق بالكتب التي ألفها الحافظ التنسي بصورة أكيدة، نذكر على التوالي:
أولا الطراز في شرح ضبط الخراز، وقد اشرنا إليه سابقا. وهو شرح على مورد الظمآن في رسم أحرف القرآن الذي هو أرجوزة نظمها محمد بن إبراهيم الشريشي المعروف بالخراز. وقد قام التنسي بشرح القسم الخاص بالضبط، وهو كما هو معروف، علم يهتم بالحركات، والمد، والشد الخ... في كتابة المصاحف، خلافا للرسم الذي هو أيضا علم من علوم القرآن، غير أنه يخص تخطيط الحروف.
أما الكتاب الثاني فعنوانه: راح الأرواح، فيما قاله المولى أبو حمو من الشعر وقيل فيه من الأمداح، وما يوافق ذلك على حسب الاقتراح. ومع أن هذا الكتاب في حكم المفقود، يتوفر لدينا دليل قاطع، يثبت أن المؤلف قد صنفه بالفعل، وذلك لأن أحمد المقري لم يكتف بذكره في "نفح الطيب" وفي "أزهار الرياض"، بل نقل فقرة منه في كلا الكتابين، وهي خاصة بوصف الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في "المشور"، وهو اسم القصر الملكي لبني زيان في تلمسان. وأن محتوى الكتاب، كما يدل عليه عنوانه بكل وضوح، هو جمع القصائد، التي قالها الملك الأديب أبو حمو موسى الثاني، من أسرة بني عبد الواد الذي تربع على عرش المغرب الأوسط من سنة 760 هـ إلى سنة 791 هـ (1359/1389م). كما يضم الكتاب القصائد التي مدح بها هذا الملك، بعض معاصريه من شعراء تلمسان. وقد اشتهر من بينهم محمد بن يوسف القيسي الثغري، ومحمد بن أبي جمعة لشهير بالتلالسي.
ونتنقل الآن إلى الجواب في قضية يهود توات، الذي أشرنا إليه سابقا.وأصل المشكلة التي طرحت على الفقيه الحافظ التنسي، هو أن بعض المسلمين من "توات"، تلك الناحية المتواجدة على ضفاف نهر "الساورة" في وسط الصحراء الجزائرية، والتي تضم عددا من الواحات أو القصور كما يسميها سكان الجنوب، وأهمها في القديم واحة "تمنطيط"، وهي لا تزال موجودة إلى يومنا هذا، وقد تفوقت عليها في العصر الحاضر مدينة أدرار، وتمنطيط هي اليوم ضمن ولاية أدرار. قلت إن بعض المسلمين من توات، قد أنكروا على اليهود القاطنين في المنطقة، سلوكهم، ومخالفتهم للقوانين، وللتراتيب التي حددها لهم الفقهاء المسلمون، على مر العصور. وتفاقمت الأزمة بعد أن شيد أولئك السكان من اليهود، كنيسة جديدة لهم في "تمنطيط". وقد أثار هذا الخبر ثائرة المتشددين، الذين اعتبروا تشييد معبد جديد، مخالفة صريحة للشريعة التي تسمح للذميين بإصلاح معابدهم القديمة فقط، وتحظر عليهم بناء معابد جديدة، غير أن بعض العلماء المحليين، وعلى رأسهم قاضي المدينة، خالفوا أولئك المتشددين وقالوا: إن اليهود ذميون، لهم ما لأهل الذمة من الحقوق المنصوص عليها في كتب الفقه. وقد احتج كل فريق بأحاديث نبوية، وبأقوال السلف من الأئمة والفقهاء. غير أن كلا الفريقين لم يقو على فرض آرائه، وعلى استمالة عامة الناس إليه. وكان في مقدمة الناقمين على اليهود، العالم الكبير محمد بن عبد الكريم المغيلي. وقد اشتهر هذا الفقيه بنشاطه، وبحيويته في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي نشر تعاليم الإسلام ببلاد الزنوج، وقد خلف مؤلفات كثيرة في العلوم الدينية، واللغوية، وفي السياسة.
ولما حمي الوطيس بين الفريق المناصر لمحمد بن عبد الكريم المغيلي، والفريق المعارض له، واشتد الخلاف بين المسلمين، راسل كلا الفريقين أكبر علماء العصر في تلمسان، وفي فاس، وفي تونس، وكانت المدن الثلاث العواصم السياسية، والدينية، والثقافية للأجزاء الثلاثة من المغرب الإسلامي. قلت راسل الفريقان كبار علماء العصر، يستفتيانهم في القضية، وكان كل فريق يأمل تأييد موقفه ضد موقف الفريق الآخر، المتهم بمخالفة تعاليم الشريعة. ويبدو أن مآرب سياسية، ومصالح اقتصادية كانت وراء مواقف المتخاصمين. وقد كان صاحبنا الإمام التنسي في تعداد العلماء الأجلاء الذين قصدهم الفريقان. ومما لا شك فيه، أن تحاكم الفريقين بتوات إلى الحافظ التنسي، لدليل على رفعة مكانته في عيون معاصريه، كما قدمنا.
وذكر أحمد الونشريسي في المعيار، مختلف الفتاوى التي تلقاها الفريقان، وقد انقسم أصحاب الأجوبة من الفقهاء إلى مؤيدين للمغيلي، وإلى مخالفين لموقفه. وكان محمد التنسي من جملة من وافق المغيلي الموافقة الحاسمة، وأيد موقفه المناهض لليهود ولأنصارهم. ويقول المؤرخون: إنه فور وصول جواب الإمام التنسي لواحة تمنطيط، حمل المغيلي وأنصاره من المتشددين السلاح، وانقضوا على كنائس اليهود، فهدموها.
وقد أورد الونشريسي جواب التنسي تحت العنوان التالي "نازلة يهود توات من قصور صحراء المغرب الأوسط"، وذلك في 16 صفحة من الطبعة التي قام بتحقيقها الباحث المغربي محمد حجي، وقامت بنشرها دار الغرب الإسلامي في بيروت. وإذا رجعنا إلى جواب التنسي، نحلل محتواه، وندرس حيثياته ونتائجه، نجده لا يتضمن آراء شخصية، واستنتاجات جديدة. فمما لاشك فيه أن المفتي قد أبدى فيه، سعة اطلاعه في مجال العلوم الشرعية، وهذا ما لا يسعنا إنكاره، قلت إذا رجعنا إلى هذا الجواب، نجد أن الفقيه لم يزد على ذكر آراء من سبقه من الأئمة والفقهاء، وعلى نقل أقوالهم، غير أن التنسي، لم ينفرد بهذه الخاصية، إن أن الظاهرة الكبرى للعلم في زمانه، وذلك في فروع المعرفة كلها، كانت عند أكثر العلماء، التبعية، وتقليد من سبقهم من الأئمة والمفكرين والعلماء، لا الاجتهاد والابتكار.
ونختم كلامنا عن التراث الفكري للحافظ التنسي بذكر أهم مؤلفاته، وهو: "نظم الدر والعقيان، في بيان شرف بني زيان، وذكر ملوكهم الأعيان، ومن ملك من أسلافهم فيما مضى من الزمان". وهو الكتاب الذي يحتل المرتبة الأولى من بين آثاره، وذلك لأن هذا الكتاب هو أضخمها، وقد جاءت أكثر النسخ الخطية التي طالعناها أو تصفحناها، داخل الوطن وخارجه، في مجلدين كبيرين، ولأن مؤلفه قد أظهر أيضا فيه، سعة معارفه الأدبية وقدرته على التصنيف في التاريخ، وتضلعه في اللغة والبيان. وقد سبق وأن أشرنا إلى أنه أراد أن يؤلف هذا "الكتاب الملوكي" كما وصفه، لشكر ولي نعمته، معاصره السلطان محمد المتوكل الذي تربع على عرش "المشور" في تلمسان من سنة 866 إلى سنة 875، وصنف له كتابا "يشتمل كما ذكر في المقدمة، على التعريف بنسبه، وسلفه الكريم، وبيان شرفه في الحديث والقديمن متبعا بجملة صالحة من مناقب الملوك ومآثرها..." ثم زاد المؤلف قائلا: "مكملا بالحكايات البارعة، والوصايا النافعة، والمخاطبات الفائقةن والأشعار الرائقة، والنوادر المستغربة". وقد اشتمل "نظم الدرّ" على قسم تاريخي مستقل عن باقي الكتاب الذي قمنا بتحقيقه تحت عنوان "تاريخ بني زيان ملوك تلمسان". وقد نشر ضمن منشورات المكتبة الوطنية الجزائرية. كما يتضمن الكتاب، قسما خاصا بالأدارسة، ملوك المغرب الأقصى، وقد عدهم التنسي من بين جدود ملوك بني زيان، ولابد من الإشارة هنا إلى التنسي قد اعتبر بني زيان الذين هم فخر، من قبائل زناتة، اعتبرهم أشرافا من سلالة فاطمة الزهراء بنت النبي (ص)، وهذا تملقا منه للدولة. وقد نشرت هذا الكتاب عن الأدارسة، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع في الجزائر، بتحقيق عبد الحميد حاجيات.
أما القسم الأدبي، وهو أطول قسم في الكتاب، فإنه قام بتحقيقه محي الدين بوطالب، ونشر ضمن منشورات دحلب في الجزائر. ولابد من الإشارة إلى أن ميزة هذا القسم الأدبي هي نفس الميزة التي وصف بها العقد الفريد لابن عبد ربه الذي قيل عنه "هذه بضاعتنا ردت إلينا". وبالفعل، فإن هذا القسم الأدبي من "نظم الدرّ، يكاد يخلو من كل أدب مغربي نثره وشعره، فأكثره أدب مشرقي، وهذا خلافا للقسم التاريخي الذي أدرج فيه المؤلف، عددا من القصائد الطويلة التي قالها بعض الملوك من بني عبد الواد أو بني زيان كما يسمون أيضا، وأخرى قالها بعض شعرائه من ومنها قصيدة طويلة للمؤلف نفسه. وقد أنقذ الحافظ التنسي هكذا، شطرا من أدب المغرب الأوسط. فلولا ذكره بعض القصائد في هذا الكتاب –لضاعت مع ما ضاع وتلف، من تراثنا الأدبي المنظوم والمنثور.
إلا أن أكبر ميزة لقسم الكتاب المتعلق بتاريخ الدولة الزيانية، تكمن في كونه المصدر العربي الوحيد، لفترة من تاريخ هذه الدولة، تزيد على سبعين سنة، وذلك بدءا من سنة 764هـ/1363م التي انتهت فيها أخبار قسم كتاب "زهر البستان في دولة بني زيان" لمؤلف مجهول، الذي عثر عليه في مكتبة بريطانية، وبدءا أيضا من تاريخ توقف يحيى بن خلدون عن تدوين "بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عين الواد"، وذلك في سنة 777هـ/1376م، وكذلك انطلاقا من انتهاء أخبار كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر..." لعبد الرحمن بن خلدون عن الدولة الزيانية، وذلك حوالي سنة 796هـ/1393م. قلت عن كتاب التنسي هو المصدر الوحيد منذ تاريخ توقف هذه المصادر الثلاثة، إلى أن يختم مؤلف "نظم الدّر والعِقيان" أخباره سنة 868هـ/1464م. وفيما عدا "نظم الدر" لا يتوفر للمؤرخ، مصدر تاريخي عربي آخر شامل الأخبار، لدراسة تلك الفترة الطويلة نسبيا، من تاريخ دولة بني عبد الواد التي أسسها يغمراسان بن زيان في المغرب الأوسط، على أنقاض دولة الموحدين. وذلك رغم تأخر تلك الحقبة من التاريخ، ورغم قربها من عصرنا. هذا إذا استثنينا الإشارات، ورجال الأدب كأحمد المقري في "نفح الطيب وغصن الأندلس الرطيب..." وفي كتابه الآخر "أزهار الرياض في أخبار عياض"، والمعلومات القيمة التي يمكن استخراجها من مجاميع الفتاوى الفقهية التي لم تستغل حق الاستغلال إلى يومنا هذا، من طرف المؤرخين الجزائريين، لدراسة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على الخصوص. وإذا استثنينا أيضا كتب بعض الرحالة كعبد الباسط بن خليل الذي خلف لنا "الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم"، وهو الكتاب الذي دون فيه هذا الرحال المصري، مشاهداته في المغرب الأوسط الذي زاره في النصف الثاني من القرن التاسع، في عهد السلطان المتوكل معاصر التنسي. ويزيد شعور الباحث الدارس لتاريخ بني زيان، بقيمة كتاب التنسي وأهميته، عندما يريد دراسة الفترة التاريخية التي تلي سنة 868هـ/1464م، وهي سنة انقطاع أخبار "نظم الدر والعِقيان في بيان شرف بني زيان..."، كما سبق وأن ذكرنا، فلا يجد مصدرا واحدا يضم كلاما مسترسلا عن تاريخ بني زيان، وتاريخ المغرب الأوسط.
وبالإضافة إلى المحاسن السابقة، نشير إلى أن هذا التاريخ المختصر لملوك بني زيان، يمتاز بالوضوح وحسن العرض، كما أن متنه جاء مقسما تقسيما منطقيا بينا، زاد من جلائه، كما خلص هذا القسم من الكتاب، خلوصا كاملا من الاستطرادات، وهو العيب الذي كانت تتسم به غالبية الكتب القديمة، الأدبية والتاريخية منها على الخصوص، فكانت تفقد بهذه الاستطرادات، وحدة الموضوع، والاسترسال المنطقي للحديث. ومن مميزات "نظم الدر" وآثار التنسي على العموم، أسلوب الكتابة، فقد امتاز بالرصانة، وجودة التعبير والسبك. وهذا في عصر ساد فيه الأسلوب المنمق المسجوع، واتصفت فيه الكتابة عند معظم الكتاب بالتكلف، وبانعدام الحيوية انعداما تاما، مع أن التنسي قد استعمل أيضا بين الحين والآخر، هذا الأسلوب السائد من جِناس وسجْع.
هذا هو الإمام الحافظ التنسي الفقيه، والأديب، والمؤرخ وهذا ما تمكنتُ من اختصار للمعلومات عن هذه المفخرة من مفاخر الجزائر التي لا تزال مغمورة كغيرها من المفاخر، محاولا بهذا الحديث المتواضع عن حياته، وعن تراثه الفكري، المساهمة في الجهود الجديرة بكل ثناء وبكل إعجاب، التي تبذلها جمعيتكم الجاحظية، لكشف غطاء الجهل والإهمال، عن ثقافتنا، قديمها وحديثها.
شكرا لكم على حسن الإصغاء، وفقكم الله، وسدد خطاكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://chlef.7olm.org
محمد الأمين الغزال
عضو جديد
عضو جديد


ذكر
عدد الرسائل : 4
العمر : 30
المزاج :
المهنة :
الهواية :
أعلام الدول :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 4
تاريخ التسجيل : 19/05/2011

مُساهمةموضوع: رد: الحافظ التنسي مؤرخ المغرب الأوسط   الأربعاء 25 مايو - 19:20:07

مشكووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووور أخي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الحافظ التنسي مؤرخ المغرب الأوسط
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى تاريخ وأعلام ولاية الشلف وضواحيها :: تاريخ وأعلام ولاية الشلف وضواحيها :: علماء الشلف المتقدمين-
انتقل الى: